أثر الحرب الأمريكية الإيرانية على صناعة التأمين
بقلم الكاتب الصحفي خالد كامل
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية واستمرار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، لم تعد تداعيات هذا الصراع مقتصرة على الحسابات العسكرية أو السياسية فقط، بل امتدت لتلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي وقطاعات مالية عديدة. وفي مقدمة هذه القطاعات تأتي صناعة التأمين وإعادة التأمين التي تعتمد بطبيعتها على قراءة دقيقة لمستويات الأخطار واستقرار البيئة الجيوسياسية وذلك نظراً لارتباطها المباشر بأخطار الحروب وتقلبات الأسواق وتعطل سلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ومع استمرار حالة عدم اليقين، تجد شركات التأمين وإعادة التأمين نفسها أمام تحديات متزايدة في تقدير الأخطار وتسعير التغطيات وإدارة التزاماتها المالية وإدارة التعويضات المحتملة. وفي هذا السياق، يبرز سؤال محوري حول مدى قدرة أسواق التأمين وإعادة التأمين على التكيف مع بيئة جيوسياسية تتسم بالتقلب وعدم الاستقرار وامتصاص صدمات صراع قد يعيد رسم خريطة الأخطار في المنطقة والعالم.
تطورات النزاع وتأثيراته على الاقتصاد الكلى العالمي
أدى النزاع إلى تفاقم الأخطار الاقتصادية الكلية على مستوىالعالم. فقد ارتفعت أسعار الطاقة بالفعل بشكل حاد، وقد يؤدياستمرار النزاع إلى ارتفاعها أكثر. وقد يتسبب استمرار النزاع كذلك في إغلاقاً مطولاً لمضيق هرمز أو أضراراً واسعة النطاق فيالبنية التحتية الرئيسية للطاقة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع أسعار النفط سيؤدى إلى تزايدالتضخم والضغط على عوائد السندات، مما يعقد قرارات السياسةالنقدية. وقد يواجه الاحتياطي النقدي معضلة الركود التضخمي – حيث يبقى التضخم مرتفعاً حتى مع تباطؤ النمو الاقتصادي – ممايشكل تحديات كبيرة للاستقرار الاقتصادي والأسواق المالية.
وبصورة عامة، يتسم الأثر الاقتصادي الكلي لمثل هذه النزاعاتبدرجة عالية من التعقيد، إذ يمتد تأثيره إلى معدلات التضخموالأسواق المالية واستقرار سلاسل التوريد، فضلاً عن مستوياتتقبّل الأخطار داخل منظومة التأمين العالمية. وفي مواجهة هذه البيئةغير المستقرة، يصبح لزاماً على شركات التأمين وإعادة التأمين تبنيسياسات اكتتاب أكثر انضباطاً، إلى جانب إعادة توجيه محافظهاالاستثمارية بشكل استراتيجي، بما يضمن الحفاظ على كفاءةاستخدام رأس المال واستقرار الربحية في ظل استمرار حالة عدماليقين.
أثر النزاع على الاستثمار والتأمين
على صعيد الاستثمار، يفرض النزاع بين الولايات المتحدة وإيرانضغوطاً متزايدة على أسواق الأسهم، كما يؤدي إلى اتساع هوامشالائتمان، ولا سيما في القطاعات الأكثر حساسية للاضطراباتالجيوسياسية مثل الطاقة والنقل. وينعكس ذلك بشكل مباشر علىشركات التأمين من خلال تراجع القيمة السوقية لبعض أصولها فيالأجل القصير، الأمر الذي يفرض عليها اتباع سياسات أكثر حذراًفي إدارة الأصول وتعزيز مستويات السيولة لضمان الحفاظ علىمتانة مراكزها المالية.
وتبرز فروع تأمينية بعينها بوصفها الأكثر تعرضاً لتقلبات المشهدالجيوسياسي، حيث يأتي التأمين البحري في المقدمة؛ فمنذ 28 فبراير، تاريخ اندلاع النزاع بين إيران والولايات المتحدة، تعرضتسبع عشرة سفينة لهجمات في مضيق هرمز وكان أخرها تعرض 3 سفن شحن لهجمات في 11 مارس 2026.
ويأتي تأمين الطيران في المركز الثاني بعد التامين البحرى ثم تأمينالأخطار السياسية (العنف السياسى)، إلى جانب تأمين الممتلكاتوالأمن السيبراني وقطاع الطاقة والائتمان التجارى. وفي المقابل،قد يؤدي تصاعد النزاع إلى زيادة احتمالات وقوع هجمات إرهابيةانتقامية، خاصة داخل الولايات المتحدة، وهو ما يفاقم من تركزالأخطار في المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية المرتفعة،ويرفع بالتبعية من احتمالات المطالبات المرتبطة بتعويضات العمالوالممتلكات التجارية.
ترتيب فروع التأمين الأكثر تأثراً بالنزاع القائم
وفي الوقت نفسه، قد تتراجع القدرة الاستيعابية لأسواق إعادةالتأمين في بعض القطاعات المتأثرة، مع تزايد الحذر لدى شركاتإعادة التأمين في ظل ارتفاع مستويات الأخطار الجيوسياسية. كمايمكن أن يؤدي استمرار النزاع إلى اضطرابات في سلاسل الإمدادالعالمية، بما يرفع التكاليف التشغيلية ويزيد من احتمالات مطالباتانقطاع الأعمال في العديد من الأسواق، لا سيما في منطقة الشرقالأوسط.
ومن هذا المنطلق ولمواجهة التداعيات التي أثّرت على قطاع إعادةالتأمين نتيجة التوترات في منطقة الخليج، أعلنت إدارة ترامب يوم 6 مارس عن برنامج لإعادة التأمين بقيمة 20 مليار دولار يشمل ناقلاتالنفط وغيرها من السفن، في محاولة لتيسير حركة الملاحة عبرمضيق هرمز. وجاء هذا القرار بعد ارتفاع أسعار النفط الخامالأمريكي بنسبة 35% خلال الأسبوع الماضي مع استمرار توقفحركة ناقلات النفط في الخليج العربي بسبب الحرب مع إيران.
ووفقاً لهذا البرنامج، ستقوم مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية(DFC) بتغطية الخسائر بشكل دوري بما يصل إلى 20 ملياردولار، مع تأكيد المؤسسة ووزارة الخزانة الأمريكية تعاونهما الوثيقمع القيادة المركزية الأمريكية لتنفيذ البرنامج والذي من شأنه أنيضمن عودة تدفق النفط والبنزين والغاز الطبيعي المسال ووقودالطائرات والأسمدة عبر مضيق هرمز إلى الأسواق العالمية وفقاً لما صرحت به الإدارة الأمريكية.
الأمن الإلكتروني (الأمن السيبراني): خطر جديد يفرضنفسه في مشهد الحرب
في خضم التصعيد العسكري المحتدم بين الولايات المتحدة وإيران،لم تعد ساحات القتال مقتصرة على الحدود البرية والمياه الإقليمية،بل امتدت رقعتها لتشمل الفضاء الإلكتروني كجبهة موازية لا تقلخطورة. فمع تطور أساليب الحرب الحديثة، أصبحت الهجماتالالكترونية سلاحاً استراتيجياً قادراً على إحداث دمار اقتصاديدون الحاجة إلى تحريك جندي واحد أو إطلاق رصاصة. ومن ثم شهد يوم 12 مارس 2026 تصعيداً جديداً في الصراع بين إيران والولايات المتحدة، حيث قامت مجموعات قرصنة مدعومة من إيران بهجوم إلكتروني استهدف بيئة الأنظمة المعتمدة على خدمات شركة مايكروسوفت داخل شركة التكنولوجيا الطبية الأمريكية سترايكرStryker وأدى الهجوم إلى تعطل واسع في الشبكات والأنظمة الرقمية للشركة، مع ظهور مؤشرات على استخدام أدوات إدارة الأجهزة المرتبطة بمنصات مايكروسوفت لتعطيل الأجهزة ومسح بياناتها. ويُعتقد أن مجموعة القرصنة المعروفة باسم Handala، المرتبطة بإيران، تقف وراء العملية التي اعتبرها خبراء الأمن الإلكتروني جزءاً من نمط متصاعد من الهجمات الرقمية ذات الدوافع الجيوسياسية، في ظل التوترات العسكرية المتزايدة بين طهران وواشنطن، بما يعكس اتساع نطاق المواجهة ليشمل الفضاء الإلكتروني إلى جانب المجالات العسكرية والاقتصادية.
ووفقاً لما ورد بأحد التقارير الاقتصادية التي صدرت مؤخراُ بعد اندلاع الأزمة، أن الحكومات أصبحت تنظر بشكل متزايد إلى البنيةالتحتية الرقمية – التي تشمل مراكز البيانات وخدمات الحوسبةالسحابية، والاتصالات عبر الأقمار الصناعية – من منظور الربحوالخسارة. وتساهم المخاوف السياسية بشأن سيادة البياناتوالمنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي والرغبة في السيطرةالكاملة على الأنظمة الرقمية الأساسية كالمدفوعات والخدماتاللوجستية، في مجموعة من التعقيدات ذات الدوافع السياسية التييواجها هذا القطاع.
الإجراءات الاحترازية المتوقعة لمواجهة الهجمات الإلكترونية
أظهرت التداعيات الأخيرة لهذه الحرب أن الأمن الإلكتروني لم يعدترفاً تقنياً، بل أصبح جزءً لا يتجزأ من الأمن القومي واستمراريةالأعمال. ومن هذا المنطلق هناك بعض الإجراءات الاحترازية التي من شأنها مجابهة هذا الخطر والتي منها ما يلى:
ومن المتوقع أن يزداد الطلب في الفترة القادمة على وثائق التأمين الإلكتروني خاصة من قبل القطاعات الأكثر عرضة للخطر، مثلالبنية التحتية الحيوية للطاقة والموانئ والمطارات والمنشآتوالمؤسسات المالية، حيث ستكون تلك الفئات في طليعة الشركاتالمتجهة لشراء هذه التغطيات أو توسعتها. كما أن الشركات متعددةالجنسيات التي تمتلك فروعًا في منطقة الشرق الأوسط، أو التيتعتمد في سلاسل إمدادها على موردين في المنطقة، ستسارع إلىمراجعة تغطياتها الخاصة بالأمن الإلكتروني والتأكد من أنها تشملسيناريوهات الهجمات المرتبطة بالحروب والإرهاب الإلكتروني،والتي قد تكون مستثناة في الوثائق التقليدية.
ومن المتوقع أيضاً أن تقبل الشركات الصغيرة والمتوسطة التي كانتتعتقد سابقًا أنها بعيدة عن مرمى الهجمات الكبرى على إبرام وثائقتأمين إلكتروني.. حيث أثبتت الهجمات الأخيرة أن الأبواب المفتوحةأو الأنظمة غير المحصنة هي أهداف سهلة، حتى لو كان العائد منهامحدودًا. لذلك، ستتجه هذه الشركات إلى منتجات تأمين إلكترونيمبسطة ومنخفضة التكلفة نسبياً تغطي الأخطار الأساسية مثلاختراق البيانات، وانقطاع الأعمال الناتج عن الهجمات، ودفع الفديةRansomware.
على الجانب الآخر، من المرجح أن تقوم شركات التأمين بتطويرمنتجاتها مما قد يؤدي إلى ظهور منتجات تأمين إلكتروني جديدةتغطي الهجمات المدعومة من دول، وهو مجال كان يعتبر منطقةرمادية في العديد من العقود.
منذ عام 2020، ساهمت الصراعات العالمية في زيادة الأخطار التي تواجه شركات التأمين العاملة في المناطق المتضررة والمناطق المجاورة. ففي فترات النزاع تتزايد اخطار مثل تضرر الممتلكات وتعطل الأعمال ودعاوى المسؤولية، فضلاً عن زيادة الأخطارالتشغيلية واضطرابات سلاسل التوريد، مع احتمال تقييد النمو وزيادة التضخم. تُبرز هذه التطورات التعقيد المتزايد للعوامل الجيوسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها شركات التأمين.
ويعد الجانب الإيجابي لتلك الأزمات هو أن شركات التأمين قد تعلمت كيف تتعايش، بل وتزدهر، في عالم يسوده عدم اليقين. ورغم اختلاف طبيعة عدم اليقين في أعقاب أحداث مثل أحداث 11 سبتمبر وإعصار كاترينا والأزمة المالية العالمية وأزمة اليورو فقد واجهت شركات التأمين وإعادة التأمين هذه التحديات بشجاعة من خلال الحفاظ الدائم على سيولة قوية ورأس مال متين، وتطوير منتجاتها واستراتيجيات التسعير لديها استجابةً لاحتياجات السوق. ويمكن لشركات التأمين تبنى الاستراتيجيات التالية:



