سلايدرمقالات
أخر الأخبار

الفوريجي والنبطشي

أتذكر حينما كنت طفلا صغيرا لا يتجاوز سبع سنوات، ودفعت بي ظروف أسرتي التي كان عددها 11 شقيقا غير أبيهم وأمهم، إلى العمل في بعض الورش بالمنطقة التي كنت أعيش فيها بوسط القاهرة، لكي أساعد نفسي خلال إجازة الصيف، من أجل شراء كسوة المدرسة ولوازمها من كتب وأقلام وكشاكيل، في الشتاء.

حظي التعس أوقعني مساعدا في الورشة مع رجل رث الثياب كئيب المنظر، لا يعرف من الدنيا إلا الصراع معها، ليس طمعا بها ولكن زهدا فيها، غير أنه كان يبني في غير بيته، لا تجد شيئا مصنوعا في هذه الورشة التي تمتلئ بغيره من الرجال، إلا وعليه بصمة يده وإتقانه، فقط يرضيه أن تمتدح عمله ولو بدون مقابل، فتجده يشعر بالفخر إذا تحدثت عن شيئ صنعه بمهارة، حتى أن أسعد لحظات حياته حينما كانوا يمتدحونه بكلمة “فوريجي”.

وكلمة فوريجي في لغة الصنايعية، تطلق على الصانع الذي يعرف كل شيئ في الورشة،ـ ويتسم بالسرعة المفرطة، لدرجة أنها تغلب على كل تصرفاته، فتجده يتحدث بسرعة ويأكل بسرعة ويمشي بسرعة ويقوم بأعماله بسرعة، وتظن حينما تنظر إلى لهفته على العمل وكأنه صاحب الورشة، أو يتقاضى منها ما يملك به سيارة ومنزلا، غير أنك حين تقترب منه تجده يتقاضى الفتات، وقد لا يجد قوت يومه.

على الجانب الأخر، كان في الورشة نموذجا مختلفا من الصنايعية، ألا وهو “الفتك”، الذي لا تجد له إنتاجا يذكر، غير أنه مقرب جدا من صاحب الورشة، ويطلق عليه اسم “النبطشي”، كل عمله هو الطعن في زملائه ونقل أخبارهم لسيده.

هذان النموذجان لا يموتان أبدا، فالفوريجي والنبطشي موجودان في كل مكان وفي كل زمان، واحد بعمله وأخر بقربه من أهل المناصب، الأول يتقن كل شيئ إلا البناء في أرضه، والآخر لا يتقن أي شيئ غير البناء على أكتاف زملائه.

في عالم الصحافة تجد من يتقن الكتابة والتحليل والنقد ويهوى القراءة ويستمتع بالإبداع ولكنه فاشل دائما في أن يسوّق ويروج لعمله وإبداعه، والأخر قد يفشل في أن يكتب كلمة واحدة، إلا أنه أنجح ما يكون في سرقة جهد الآخرين والبناء عليها.

وفي عالم الفن والسينما تجد أبطال إذا أطلوا في العمل بمشهد واحد كانوا سببا رئيسا لنجاحه، وكانوا مهرة مثل الفوريجي، يتقنون أداء أدوارهم ولا يكرمون عليها، ومن بين هؤلاء بعض فناني الكوميديا والدراما المشهورين مثل عبد الفتاح القصري وعبدالمنعم إبراهيم وصلاح منصور ونظيم شعراوي وحسن البارودي وغيرهم ممن نتذكر أدوارهم ولا نعرف أسماءهم.

وفي عالم كرة القدم يتجدد نموذج الفوريجي مثل بعض لاعبي خط المنتصف الذي يجيد استلام وتسليم الكرة والخروج بها ويتحكم في رتم المباراة، فلا تبدأ الهجمة إلا من عنده ولا تنتهي عند المهاجم إلا بلمسة قدمه إليه، ولكنه في النهاية لا يصفق المشجعون إلا للمهاجم.

هذا النموذج الذي إن أردت تكريمه في الحرب تطلق عليه الجندي المجهول وفي لغة الصنايعية “الفوريجي”، لا ينتهي أبدا، وقد يشعر الكثير من الناس أنهم عنوان لهذا النموذج.. لا يعرفون مقابل أسرهم وتفانيهم غير إخلاصهم الذي يغلب عليهم، ولكن لا يؤلمهم إلا جحود حقوقهم لصالح النموذج الضال الذي يطلق عليه في لغة الأفراح الشعبية “النبطشي”.

الفوريجي تكفيه الكلمة الطيبة والنبطشي لا يشبع من الدنيا مهما أوتي منها، فلا تكونوا عونا في ندم الفوريجية على تفانيهم.

Eslam kamal

موقع حرف 24 الإلكتروني الإخباري يهتم بالشأن المصري والعربي يركز على القضايا الاجتماعية ويلتزم المهنية
زر الذهاب إلى الأعلى